القرطبي
369
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقرأ ابن عامر " تزور " مثل تحمر . وحكى الفراء " تزوار " مثل تحمار ، كلها بمعنى واحد . ( وإذا غربت تقرضهم ) قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم ، قاله مجاهد . وقال قتادة : تدعهم . النحاس : وهذا معروف في اللغة ، حكى البصريون أنه يقال : قرضه يقرضه إذا تركه ، والمعنى : أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة كرامة لهم ، وهو قول ابن عباس . يعنى أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين ، أي يمين الكهف ، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال ، أي شمال الكهف ، فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار . وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم ، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها ، وتغير ألوانهم وتبلى ثيابهم . وقد قيل : إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب ، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته . وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله ، دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك . وقرأت فرقة " بقرضهم " بالياء من القرض وهو القطع ، أي يقطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس . وقيل : " وإذا غربت تقرضهم " أي يصيبهم يسير منها ، مأخوذ من قارضة الذهب والفضة ، أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها . وقالوا : كان في مسها لهم بالعشي إصلاح لأجسادهم . وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار . وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر . والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم ، والتأذي بحر أو برد . ( وهم في فجوة منه ) أي من الكهف والفجوة المتسع ، وجمعها فجوات وفجاء ، مثل ركوة وركاء وركوات وقال الشاعر : ونحن ملأنا كل واد وفجوة * رجالا وخيلا غير ميل ( 1 ) ولا عزل أي كانوا بحيث يصيبهم نسيم الهواء . ( ذلك من آيات الله ) لطف بهم . وهذا يقوى قول الزجاج . وقال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون ، فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا . وقيل : تحسبهم أيقاظا وقيل : ( تحسبهم أيقاظا ) لكثرة تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه . و ( أيقاظا )
--> ( 1 ) ميل : جمع أميل وهو والجبان . وله معالن .